حسن الأمين

280

مستدركات أعيان الشيعة

المجفف واستخراج الزيوت من الزيتون والبطم واستخراج الطحين من الحبوب بأنواعها . تدل على ذلك كثرة المعاصر والمطاحن المائية التي ما تزال آثارها مائلة إلى اليوم . وكان العامليون يلبسون ثيابهم من قطن أرضهم منسوجا على انوالهم اليدوية . ( 1 ) هذا بالإضافة إلى تصنيع انتاج المواشي كالألبان والأسمان وقد استعمل العامليون السمن للإنارة . كما قاموا بتربية النحل واستخراج العسل منه . واستخرجوا الملح من مياه البحر على طول الساحل العاملي وخاصة في صور . أما التجارة فقد حظيت بعناية خاصة من ناصيف النصار لأنه كان مشهورا كتاجر كما كان مشهورا كجندي على حد قول أدوار لاكرو . ( 2 ) وقد تمثل ازدهار التجارة الخارجية بالظواهر التالية : تعمير ميناء صور فقد جاء على لسان الرحالة الفرنسي فولني ان المتأولة رمموا هذا المرفا في سنة 1766 وبنوا له سورا بعلو 20 قدما . بحيث يمكن للسفن إيجاد ملجا وهذا المرفا يفضل على مرفا صيدا . ( 3 ) وقد أصبح مرفا صور مركزا لتصدير المنتوجات العاملية من جميع مقاطعات الجبل ما خلا المناطق التي جاورت صيدا . كما هيا هذا المرفا لأهالي صور بصورة خاصة سوقا تجارية رائجة وأصبحت حالتهم المعيشية جيدة فقد كنت ترى في بيوتها وسائل الراحة . ( 4 ) وساهمت حالة الأمن والاستقرار التي سادت جبل عامل سواء لانكفاء الشهابيين أو لانحسار غزوات البدو إضافة إلى قطع دابر اللصوصية في عهد ناصيف على تحويل جبل عامل إلى طريق للقوافل التجارية . فقد كانت ثمر البضائع التجارية من سوريا إلى فلسطين عن طريقين : طريق دمشق طبريا وطريق دمشق - تبنين . يضاف إلى هذا : العلاقات السياسية الودية بين ناصيف والشهابيين وظاهر العمر وعلي بك الكبير فقد عززت التبادل التجاري بين جبل عامل وسائر المناطق الشامية . وساعد موقع الجبل المتوسط بين المناطق المجاورة من ناحية وإشرافه على ساحل البحر المتوسط من جهة ثانية على ازدهار التجارة . وبالفعل فقد تعززت التجارة بين صور ودمياط في مصر فقد ذكر ان جرجس مشارقة كان يتعاطى تجارة التبغ ويصدرها إلى مصر وقد تمكنت « صلته بمشايخ آل الصغير حكام بلاد بشارة والشقيف الشيعيين حيث كان يشتري منهم حاصلات أراضيهم الواسعة من التبغ . . . وفي 1757 اضطرته المصلحة أن يقدم من صيدا إلى صور فانتقل إليها لتسهيل تجارته مع مشايخ المتأولة القاطنين في جوارها والذين لهم من أغلالها النصيب الوافر مثل التبغ والحبوب والأخشاب . ( 5 ) أما التجارة المحلية فقد تمثلت في مجموعة الأسواق المحلية التي كانت تقام في بعض البلدان الكبرى المتوسطة الموقع بين المقاطعات كسوق تبنين ، النبطية ، العديسة الطيبة ، بدياس ، جويا ، بنت جبيل وكان الفلاح العاملي يعرض في هذه الأسواق منتوجاته الزراعية ومشتقاتها وصناعاته اليدوية . ( 6 ) فيما يتعلق بالحالة الفكرية فقد عرف جبل عامل منذ القدم بإقبال خاصة من علمائه على نهل العلم وخاصة العلوم الدينية والفقهية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشهيد الأول محمد بن مكي 786 - 1384 ، الشهيد الثاني زين الدين بن علي [ 996 ] 966 - 1559 ، الحر العاملي الشيخ محمد بن الحسن بن علي 1104 - 1692 . السيد جواد المعروف بمحمد الجواد بن محمد 1226 - 1811 وسواهم ممن عرفوا شهرة واسعة في مختلف ارجاء العالم الإسلامي ولا سيما الشيعي منه . وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي وبعد أن بدأت هجمات الولاة العثمانيين والملتزمين تتوالى على الجبل فقد شهدت الحالة الفكرية تراجعا نسبيا وخاصة حركة الشعر وذلك لسببين : الانشغال في الاهتمامات المعيشية الصعبة ، وجود الحكام الغرباء والذين لا يمكن أن يكونوا من ممدوحي الشعراء العامليين . ولكن مع ظهور ناصيف النصار في جبل عامل ومع إكرامه وتقديره للعلماء والشعراء ومع انتفاء الهجمات الخارجية ومع بروز الهوية العاملية ومع انطلاقة ناصيف النصار خارج حدود الجبل ومع كثرة المعارك والبطولات . . مع كل هذا ظهرت حركة الشعر واشتهر من شعراء تلك المرحلة الشيخ إبراهيم الحاريصي والشيخ إبراهيم يحيى العاملي . فقد عاصر هذان الشاعران ناصيف النصار وعزفا بطولاته الحانا تفيض بالعزة والكرامة والعنفوان فكان ناصيف يرد كيد المعتدين والشعراء يردون أقوالهم . ولما غيب ناصيف النصار وكانت نكبة جبل عامل على يد الجزار وكان تشرد القادة والعلماء والشعراء جاءت قصائد هؤلاء صورة معبرة عن هذه النكبة فكان شعرهم أنينا وقصائدهم حنينا . وخلاصة القول انه : في أواخر القرن الثاني عشر إلى أوائل القرن الثالث عشر للهجرة « تكون النهضة الشعرية في جبل عامل قد تكاملت فتفتحت عن مجموعة من الشعراء الأفذاذ عاشوا أحداث بلادهم بشعرهم وشعورهم فكانوا لسانها الناطق وضميرها الحي وذهنها الوقاد » . ( 7 ) وقد استمرت هذه النهضة الشعرية حتى تولى حمد المحمود زعامة الجبل « وهو رجل من أنبغ من أنجبت أسرته كان فارسا مقداما وكان أديبا شاعرا . . . وكانت تبنين قاعدة حكمه وفيها ملتقى وفاده وكان قد جدد بناء قلعتها هذه القلعة التي شهدت ازهى أمجادها أيام سلفه الشيخ ناصيف النصار . . . . فاجتمع للشعراء : أمير تشوقه المدائح وشاعر يفهم ما يقولون وأمجاد مغرية بالمدح فالتقى في قصر حمد مجموعة من الشعراء لم يلتق مثلها إلا في قصور الملوك السالفين . . . ويخيل إليك وأنت تراجع شعر تلك الفترة ان حياة مصغرة لسيف الدولة الحمداني قد انبعثت في الجبل » . ( 8 ) ومهما يكن من أمر فان الحركة الشعرية ازدهرت في عصر ناصيف النصار وربما كانت تستحق وقفة خاصة ودراسة مستقلة فكما كان ناصيف النصار يعزف ألحان البطولة بوقائعه وشهامته ودفاعه عن الحق كان الشعراء يخلدون هذه الألحان بترانيم لغوية أغنت التراث العاملي وسجلت ماثر هذه الأقلية التي عاشت في الجبل ودافعت عن نفسها لتستمر بعقيدتها وحريتها وكرامتها . وكانت وما زالت تقدم الشهداء من أبنائها ومن قادتها ومن علمائها على حد سواء وهذا أمر سهل الفهم إذا تذكرنا أن العاملي يرضع مع حليب أمه ما حدث في كربلاء .

--> ( 1 ) المقتطف . ( 2 ) تاريخ الجزار . ( 3 ) سوريا ولبنان وفلسطين . ( 4 ) يوميات في لبنان . ( 5 ) مشهد العيان . ( 6 ) خطط جبل عامل . ( 7 ) عصر حمد المحمود . ( 8 ) ن . م .